الصفحة الرئيسية
عن مطرانية دمياط
كنائس المطرانية
قطعة من الصليب
قديسو الإبارشية
الأنبا بيشوى
دير القديسة دميانة
تأملات ودراسات
التحميل
البث المباشر
مواقع للزيارة
اتصل بنا
 
 
 
 

"قبلمـا صـورتـك فـي البـطـن عـرفـتـك"   (أر1:4)

 

طفولــــة وإعـــداد

 

من اصل عريق

نشأ حبيبنا وترعرع في أسرة دمياطية عريقة النسب، حيث كان والده نيح الله نفسه- المهندس إسكندر نقولا - رجلاً كنسياً وشماساً يجيد حفظ الألحان ويتلوها بصوت شجى.

ولا عجب! فهو من عائلة قديسين وشهداء، فجدته هي ستهم بشاي التي سميت بهذا الإسم تذكاراً لعمها الشيهد مار سيدهم بشاي شهيد دمياط.

وهذه الجدة هي التي قامت بتربية المهندس إسكندر نقولا مع أخيه الأكبر المتنيح الأرخن الأستاذ ألفونس نقولا ذلك لأن والدته كانت قد توفيت وتركته في سن الرابعة من عمره. فبذرت فيهما بذار الإيمان ومحبة الكنيسة حتي أنهما رُسما شماسين في طفولتهما. ونشأ المهندس إسكندر نقولا إنساناً ناجحاً إجتماعياً ومدنياً وكنسياً. وليس المجال هنا للحديث عنه في سيرته العطرة وجل أعماله...

غير أنه قد خرج من صلبه الذي كان عتيداً أن يرعي إيبارشية مهمة في كنيسة المسيح، بل وإستخدمه الله في مهام كثيرة في الكنيسة الجامعة.

 

ولادة الطفل فى المنصورة

كان والده يعمل مهندساً بمدينة المنصورة فترة من الزمن، حيث سكن هناك بحي تورييل.

وفي يوم 19/7/1942م ولد الطفل مكرم وسُجِّل بالسجل المدني هناك، هذا رغم أن والده كان دمياطياً أصيلاً ووالد والدته من أسرة صعيدية من محافظة المنيا ووالدتها من دمياط. ولم يلبث قليلاً حتي نُقل الوالد إلي مدينة بورسعيد كمساعد مدير أعمال للمباني في المحافظة... فعاش الطفل فترة صباه هناك في بورسعيد حتي عام 1946م. حيث أصيب الوالد بمرض مفاجئ وتوفي علي أثره في 6 أغسطس من تلك السنة عينها، تاركاً الطفل في الرابعة من عمره.

 

الذين سبق فعرفهم... عينهم

ياللتدبير الإلهي الذي يفوق العقل، حكمة الله السامية التي تعلو الأفهام! فقد سمح الله أن يتعرض الطفل لفقدان الأب في طفولته، ليصير الله نفسه أباً له، شأنه في ذلك شأن كثيرين من العظماء والقادة الروحيين في مختلف العصور! وبالفعل كان لهذا أكبرالأثر في حياته وخدمته فيما بعد، وأبوته الحانية علي الآخرين...

فقد إهتم به علي أثر ذلك كثيرين من الشخصيات العظيمة والمباركة التي كان لها أثر كبير في حياته نذكر منهم:

1- إهتم به عمه الأرخن ألفونس نقولا

ومن العجيب أن والده المهندس إسكندر نقولا وهو يحتضر وعمره 39 عاماً قبل نياحته قال لأخيه ألفونس نقولا: "إن حكمة الله عظيمة أن يجعلك بلا أولاد منك، لكي يكون أولادي لك لترعاهم من بعدى"".

وكان المتنيح الأستاذ ألفونس من أعاظم الشخصيات الدمياطية مدنياً وروحياً، وكان يدير أوقاف الكنائس بدمياط، وكان عميد الأقباط ورئيس الشمامسة في زمانه.

وصار للطفل بمثابة الأب الحنون والمحب له، والمهتم بأموره حتي إلي وقت تخّرجه من كلية الهندسة بالأسكندرية، وكان يتابعه بالرعاية والخطابات... ونذكر أن قال له الطفل هذه العبارة التي لا تنسي بعد فقد والده: ""بابا مات يا عمى، مش إنت تبقي بابا"".

وكان الطفل يحضر بإستمرار إلي منزل عمه في الأجازات، كما كان يقضي فترات الصيف في رأس البر في عشة عمه.

2- إهتمت به أيضاً خالة والدته البتولة كاترين

عاشت هذه القديسة طيلة حياتها بتولاً، وإهتمت به، وكانت تعتبره كإبن لها، وكان أحب شخصية إلي قلبها، ظلت تهتم به حتي فترة ذهابه إلي الأسكندرية، ودخوله الجامعة، فكانت تقيم معه وتهتم بخدمته، وربما هو أحب فيها بتوليتها. وتأثر بها في حياته.

3- تأثر بأبينا المتنيح القمص بطرس عوض

وكان كاهناً بكنيسة السيدة العذراء ببورسعيد وقد رأي فيه الأبوة في فترة صبوته وكان له بمثابة أب إعتراف في هذه الفترة.

 

بين القاهرة وبورسعيد

إنتقلت الأسرة بعد نياحة عميدها لتعيش في القاهرة... في بيت عائلة والدته. وهناك دخل الطفل مدرسة الروضة (حضانة قصر الدوبارة) وذلك في سن مبكرة، وبقرار إستثنائي من وزير المعارف، الذي عرف ظروف وفاة والده، وأصدر أمراً بقبوله وتعليمه علي نفقة الدولة.

وقضي الطفل كل سنوات الروضة والدراسة الإبتدائية بالقاهرة، وأخيراً رجعت الأسرة مرة ثانية إلي بورسعيد في سنة 1952م، حيث حصل الطفل علي الشهادة الإبتدائية (نظام قديم) في عام 1954م.

بعدها تغَّير نظام التعليم فأُدخل فيه نظام الشهادة الإعدادية، فحصل الصبي علي الشهادة الإعدادية في 1955.

 

التفوق الدراسي للصبى

"كان الصبي ذكياً جداً سريع البديهة، متفوقاً في دراسته وتمَّيز بالذاكرة القوية والتركيز الشديد والدقة المتناهية، وبعض هذه الصفات كانت وراثية ومكتسبة من الأسرة فكان كل أعمامه مهندسين عباقرة وأساتذة محامين.

ولم يتخلف في أي سنة من سنوات الدراسة حيث إلتحق بالدراسة الثانوية في بورسعيد سنة 1956م، ورغم توقف الدراسة هناك نحو ثلاثة أشهر بسبب العدوان الثلاثي علي المدينة، إلا أنه أكمل دراسته بعد ذلك بنجاح وحصل علي الثانوية العامة في 1958م بتفوق مما مكنه أن يلتحق بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية.

 

فى كلية الهندسة جامعة الأسكندرية

كأن الله القدوس أرسله إلي هناك ليعّده إعداداً روحياً لخدمة أعظم!

فألتحق الشاب مكرم بكلية الهندسة... وكان ذلك أشبه بشىء وراثي في العائلة، إذ كان والده وأربعة من أعمامه رجالاً مهندسين عظام وأساتذة بالجامعة..

وتخصص في قسم القوي الميكانيكية..

وكان نابغاً في دراسته، ومتفوقاً علي أقرانه، فتخرج في سنة 1963، وكان عمره في ذلك الوقت أقل من 21 سنة، وقد حصل في كل مراحل الدراسة علي تقديرات عالية، فكان تقديره النهائي درجة الإمتياز مما أهله لأن يعين معيداً بالكلية.

وأهم ما نلقي عليه الضوء في فترة شبابه المتغَّرب بالأسكندرية كونه نموذجاً يحتذي به في الأخلاق -بالنسبة للشباب- وفي التدين، وفي العلم. وكان يقضي معظم أوقاته في الدرس والتعليم والعبادة، وكانت معاملته لطلبته معاملة الصديق المحب الذي يرتبط بهم إتباطاً روحياً بجانب الرباط العلمى، فكان يبدأشرحه بحكمة روحية يكتبها علي السبورة.

وكانت شقته أشبه بكنيسة تُقّدم فيها خدمات روحية ومادية وعلمية لكل قاصد له، وكان يشجع الشباب علي العبادة، ويقوم بشرح دروس الجامعة مجاناً لهم.. وكان نصيراً للفقراء الذين يقصدونه.

شاباً نموذجياً متديناً

في أثناء دراسته الجامعية ذهب إلي إجتماع الشباب بكنيسة مارجرجس باسبورتنج سنة 1962 وهناك تعرف بالمتنيح الكاهن المبارك القمص بيشوي كامل وأعجب بروحياته وإتخذه أباً له في الإعتراف ومرشداً روحياً وكان منشغلاً بحق بخلاص نفسه...

وبعد أن اتخذ أبونا المبارك المتنيح القمص بيشوي كامل أب إعتراف له أولاً لفترة من الزمن.. ونظراً لإنشغال أبونا بيشوي الكثير، والضغوط الشديدة عليه، اتخذ أبونا تادرس يعقو ب أب إعتراف له، وظل متتلمذاً له فترة طويلة من الزمن لحين دخوله إلي الرهبنة.

 

يعمل فى خدمة مدارس الأحد

دعاه اللِّه للخدمة، فنراه بعد تخرجه من كلية الهندسة بامتياز، عمل معيداً بالكلية.. غير أن تطلعاته لم تكن نحو المجد العالمي والمراكز المرموقة، بل للعيشة الروحية المقدسة لخدمة الرب، لذلك التحق أولاً بخدمة القري والتربية الكنسية في عزبة دنّه بحي باكوس بالأسكندرية منذ سنة 1963، وقام بخدمة التربية الكنسية بعد ذلك بكنيسة مارجرجس بباكوس.

وتوالت عليه الخدمات الروحية متتابعة، نظراً لحياته الروحية القوية، ومثاله الروحي الحىّ للشباب، فألحقت به أيضاً خدمة الشباب بكنيسة مارجرجس باسبورتنج، ثم أيضاً أسرة إعداد الخدام هناك.

ولم يكتف بذلك، بل شغلاً لكل الوقت كان يخدم بكنيسة مارجرجس بالمكس، ثم طلب إليه أن يحاضر في بعض مؤتمرات الخدام، وكان أيضاً يُركن إليه خدمة الوعظ أحياناً في القداسات. وأخيراً كان يُدعي للنهضات الـروحيـة في بعض البلاد مثل المحلة الكبري وكفر الزيات..وفي دمياط أيضاً.

 

الخادم الروحى محب الخلوات

ولم ينسي الشاب مكرم نفسه في زحمة الخدمة، كما في عمله العالمي بل كان حريصاً علي الإمتلاء بالروح، ناظراً إلي خلاص نفسه أولاً، ولذا كان يكثر من الخلوات الروحية، ويحب أماكن الخلوة، ويقضي فيها كثيراً من الأوقات، وكان يحلو له الإختلاء بكنيسة مارجرجس بالمكس التي كانت أشبه بالأديرة، إذ كانت بمكان منعزل بغرب الأسكندرية. كان منجذباً لشخصية المتنيح القمص جرجس رزق الله كاهن الكنيسة ويحب جداً سماع عظاته في تفسير المزامير وكان محله المختار أثناء حضور القداس في مبني الكنيسة القديم تحت أيقونة القديسة دميانه. وكان يصلي فيها قداسات أيام الجمع.. كما كان يواظب علي قداسات الأحد بكنيسة مارجرجس باسبورتنج.

 

الشاب الذى تأثر بالقدوة الروحية

كان قداسة الأب القمص بيشوي كامل يحب قداسة البابا شنودة الثالث، إذ كان قد تأثر بقدوته أثناء فترة الأربعين التي قضاها بعد سيامته بدير السريان، وكان يقضي أوقات كثيرة في جلسات روحية مع القمص أنطونيوس السرياني (قداسة البابا قبل رسامته بطريركاً).

وأراد أبونا بيشوي كامل أن ينقل هذه القدوة لأولاده الروحيين، فاستغل فترة حضور نيافة الأنبا شنوده (أسقف التعليم آنذاك) لإلقاء محاضرات بمؤتمر الخدام الذي أقيم بكنيسة السيدة العذراء بسموحة سنة 1962م، وقال لأولاده الشباب مشجعاً إياهم علي الذهاب للحضور هناك.

"سترون عينة من خدام القرن الرابع الميلادي الذي يحمل روح الآباء الأوائل".

 

لحظة تأثره بالأنبا شنودة

 

وكانت هذه الدعوة بالنسبة للمهندس مكرم دعوة خصوصية فتحت أمامه آفاقاً أخري للحياة الروحية وقد حكي الأنبا بيشوي ما حدث، فقال: "ذهبت لحضور القداس الإلهي الذي يصليه نيافة الأنبا شنودة بالاشتراك مع القمص مينا إسكندر وكانت هذه أول مرة أري فيها نيافة الأنبا شنودة، ربما قرأت عنه سابقاً في مجلة مدارس الأحد، كما قرأت بعض مقالاته...

 

وأثناء صلوات القداس الإلهي وحينما إبتدأ الأنبا شنودة في قراءة السنكسار وكان اليوم الرابع والعشرين من برمهات، الذي يتكلم عن سيرة القديس مكاريوس التاسع والخمسون من باباوات الأسكندرية.

 

وأثناء القراءة بكي الأنبا شنودة وسلم الكتاب للقمص مينا إسكندر ليكمل القراءة...

 

حيث يقول السنكسار : أنه لما زار البابا مكاريوس دير القديس مكاريوس حسب عادة سلفائه، مر ببلدته لافتقاد والدته، وعندما دخل إليها لم تلتفت إليه، بل ظلت تشتغل بمغزلها ذارفةالدموع، ولما اقترب إليها البابا تشاغلت عنه، فظنها غير عارفة به...

 

فقال لها: ماذا يبكيك أيتها الوالدة؟ ألا تعلمين أني أنا إبنك مكاريوس، الذي رقي إلي درجة سامية، ونال سلطة رفيعة وأمسي سيداً لأمه كبيرة!

 

فأجابته: إني لا أجهلك، وعارفة بما صرت إليه، ولكنني كنت أود يا إبني أن يؤتي بك إليّ محمولاً علي نعش، خيراً من أن أراك بطريركاً!!

 

ألا تعلم أنك قبلاً كنت مطالب بنفسك وحدك والآن صرت مطالباً بأنفس رعيتك!

 

فأيقن أنك أمسيت في خطر، وهيهات أن تنجو منه. لأن من عادة الغطرسة والمجد الباطل، أن يصيرا للمرء برقعاً يحجب عن عينيه ضياء الشمس الحقيقية! فمن أين لك يا ولدي تقدر أن تكون بصيراً، وقد غطي مجد الرئاسة بصيرتك! فها أنذا قد أنذرتك بما أنت فيه من خطر فكن حذراً لذاتك، وإذكر والدتك التي تعبت لأجلك وربتك.

 

وقد تأثر البابا مكاريوس جداً بكلام والدته منتفعاً به في أيام حبريته.

 

ويكمل نيافة الأنبا بيشوي كلامه قائلاً: "فتأثرت جداً بالأنبا شنودة خصوصاً أثناء القداس الإلهي، الذي كان يصليه بروحانية عجيبة، ورأيت فيه صورة الراهب الحقيقي، وأحببت فيه مشاعره الرقيقة وإحساسه الروحي المرهف... 

 

بدء دعوته للتكريس

مضي المهندس مكرم لحضور مؤتمر الخدام الذي عقد بكنيسة مارمينا بالمندرة سنة 1964، وهناك استمع إلي نيافة الأنبا شنودة حيث تحدث عن حياة التكريس، فشعر بدعوة خاصة لحياة البتولية..

ومنذ ذلك الحين تعلقت نفسه بنيافة الأنبا شنودة وكان يحضر النهضات التي يتحدث فيها سواء في دمنهور أو في دمياط وغيرها...

 

جلسة خاصة مع الأنبا شنودة

أقيم أسبوع نهضة بكنيسة دمياط، وكان في أكتوبر سنة 1967م حيث تحدّث فيه يومياً نيافة الأنبا شنودة.

وجاء المهندس مكرم من الأسكندرية ليحضر هذه النهضة في دمياط، وتقابل مع نيافة الأنبا شنودة، وفي جلسة خاصة تحدّث فيها معه عن رغبته في الرهبنة، وأعطاه نيافة الأنبا شنودة بعض الإرشادات الروحية الخاصة بهذا الموضوع، وتركه يختمر في ذهنه وفي حياته.

 

كأن الله كلمه فى حلم

حكي نيافته قائلاً : في الوقت الذي كنت فيه أحضّر رسالة الماچستير في يوليو 1967م وكنت أوشك علي الإنتهاء منها، وضعت في ذهني أن أقضي أسبوع خلوة في دير السريان وفي ذلك الوقت حلمت حلماً...

رأيت فيه نفسي جالساً مع نيافة الأنبا شنودة في الصحراء، ومعنا مجموعة من الشباب، فسألته أيهما أفضل، أن يكمل الباحث دراسته بالجامعة أم أن يكرّس حياته لربنا؟!.

فأجابنى: إن الإنسان الذي يحب المسيح لايبحث عن مركز في العالم أو شهادات أو مناصب معينة!..

 

نصيحة أب الإعتراف

قبلما يمضي المهندس مكرم خلوته بالدير، مضي إلي أب إعترافه وكان هو أبونا تادرس يعقوب وقص عليه الحلم الذي رآه سابقاً فقال له أبونا تادرس «حاول أن تختبر الحياة بالدير في أثناء هذه الخلوة، لتتعرف علي مدي حبك للرهبنة». وبالفعل حدث ذلك، فرأي نفسه بعد إنتهاء الخلوة قد إزداد شوقاً للتكريس، بل وقد ارتبط بحياة الرهبنة، لكن أب إعترافه نصحه أن يتريث حتي يكمل الماچستير (1) وفعلاً أنهي الرسالة ومناقشتها وموافقة مجلس الكلية والجامعة عليها في مايو سنة 1968م.

 

مقابلة صريحة مع نيافة الأنبا شنودة

حاول المهندس مكرم أن يتقابل مع نيافة الأنبا شنودة ثانية، لعله يصل إلي حل مريح لنفسه، لكن دير السريان كان مقفلاً منذ شهر مارس 1968م عن الزيارات لبداية الصوم الكبير. فمضي إلي دير الأنبا بيشوى، وأرسل من هناك ورقة مع سائق سيارة الدير لنيافة الأنبا شنودة بقلايته بدير السريان يطلب فيها مقابلته، فحدد له ميعاداً للمقابلة!

وقد سُرّ بهذه المقابلة، خاصة وأنها كانت في الصوم الكبير الذي كان نيافة الأنبا شنودة يعتكف فيه بقلايته.

إرشاد يتحول إلى  نبوة

حكي لنا نيافته ما حدث قائلاً:

تقابلت مع نيافة الأنبا شنودة... وكنا جالسين علي فلق نخلة فقلت لنيافته صراحة «أنا قررت الرهبنة» فأجابني نيافته: «شوف... وأخذ يرسم بعصاته علي الأرض قائلاً: بما أنك قد وصلت إلي قرار حقيقي بالخروج من العالم إلي الرهبنة، سيفتح لك عدو الخير طرقاً كثيرة لكي يمنعك من ذلك. ثم رسم خطاً علي الأرض، وأمامه خمسة خطوط من الناحية الأخري ملتقية به... وكان الخط الطولي هو طريق الرهبنة.

وأمامه الخمسة خطوط المتشعبة التي تشكّل محاربات عدو الخير الذي يحاول أن يعطّل طريق الرهبنة هكذا:

1 - طريق التكريس في الخدمة .

2 - طريق الكهنوت .

3 - طريق الزواج .

4 - طريق الدراسات العليا .

5 - الضغوط العائلية ضد الرهبنة.

ثم أردف قائلاً : حاول أن تصحو أمام هذه المحاربات. فقلت لنيافته: أنا خايف أن أستدعي للخدمة بالكنيسة بعد الرهبنة كما حدث مع نيافتكم، لأن قداسة البابا كيرلس كما علمنا إستدعاك بطريقة ما، ثم رسمك أسقفاً بالرغم عنك !!.

وهنا فتح الأنبا شنودة فمه المبارك وكشف عن:

حقيقة قصة رسامته أسقفاً للتعليم

 قال علي سبيل المثال: لا أحد يلوم الأسد إن أكل الغزالة ولكن الواحد يلوم الغزالة، أنها تضع رأسها في فم الأسد.

 

وأضاف قائلاً : أنا الذي نزلت لمقابلة البابا بإرادتى، ولم يجبرني أحد علي النزول، مع الفارق في المثل... ولكن المقابلة كان لها ظروف خاصة...

 

إذ كانت هناك رحلة أجانب حضرت إلي الدير في أثناء الصوم، فسمحنا للقيادات فقط أن تدخل للبحث، لأنها كانت رحلة بحث علمى، وكانت الرحلة معها تصريح من البابا كيرلس بدخول الدير!

 

وحضر بعد ذلك نيافة الأنبا ثيئوفيلس أسقف الدير إلي الدير وقال لى: إن البابا زعلان منك لأنك لم تسمح للرحلة كلها بالدخول... ويطلب أن تذهب لمقابلته وقال لي لاتحضر لمقابلتي بدون الراهب القس أنطونيوس السرياني فمضيت بالفعل إلي القاهرة لمقابلة البابا...

 

وبعد محادثة قصيرة قبل الإعتذار.

 

وفوجئت بقول البابا لي : «عايزينك تساعدنا في الإكليريكية ومدارس الأحد».

 

فإعتذرت بشدة... لكنني فوجئت بوضع اليد علىّ قائلاً: «ندعوك يا أنبا شنودة أسقفاً للتعليم»!

 

ورسم علي رأسي ثلاث رشومات واشترك معه نيافة الأنبا ثاؤفيلس وقال لي ليس لك حل أن تغادر البطريركية قبل يوم الأحد القادم.

 

فأنا الذي مضيت إليه، وقد كان ممكناً أن أعالج الأمر مع نيافة الأنبا ثيئوفيلس، ولا أذهب أنا بنفسي إلي البابا...

 

ولكن هذا ما حدث...

 

وقد حكي لي نيافته هذه القصة لكي يطمئنني أنه ليس من الضرورة أن يرسم الإنسان رغماً عنه، طالما أنه يحترس من المواقف التي يفاجأ فيها بأمور تؤدي إلي سيامته!

معطلات الرهبنة تتحقق

كانت نصائح نيافة الأنبا شنودة أسقف التعليم للمهندس مكرم في محلها، فكانت كسراج منير كشف له الطريق، لأنها نابعة عن مرشد ماهر، وخبير محنّك بالأمور الرهبانية... وسنري أنه قد تم بالضبط كل ما قاله له...

 

أولاً: دعوة رسمية للتكريس

بمجرد عودة المهندس مكرم من مقابلته مع الأنبا شنودة في دير السريان إلي دير الأنبا بيشوي المجاور، أن تقابل هناك في نفس الصباح مع أحد أصدقائه وهو الدكتور ماهر جورجي من دمياط، فتحدث معه بشأن رغبة الأنبا أغابيوس أسقف ديروط المتنيح، أن يكون عنده مكرسين بالمطرانية، وربما عرض له الدكتور ماهر إسم المهندس مكرم، حيث أنه كانت هناك فكرة عن تكريسه بدمياط...

وقال له الدكتور ماهر أنه قد وقع الإختيار عليك وطبعاً إعتذر المهندس مكرم ولم يتم ذلك.

 

ثانياً : دعوة للزواج

قُدّمت له دعوة للزواج حتي يتيسر له الكهنوت بل عرض عليه نوع من الزواج البتولى، وفعلاً جهزوا له زوجة ترغب أيضاً في البتولية... ولكنه لم يقبل.

 

ثالثاً : دعوة للكهنوت

عرض عليه أولاً دعوة للكهنوت بسوهاج عن طريق أبونا ميخائيل سعد كاهن كنيسة سموحة المتنيح الذي رشحه لذلك وتكلم معه ولكنه اعتذر.

وكانت دمياط في أشد الإحتياج إلي كاهن آخر...فقاموا بترشيح المهندس مكرم إسكندر نقولا، وقوبل الموضوع بإرتياح كبير من الشعب... وكتبوا تزكية لتقديمها لنيافة الأنبا تيموثاوس مطران الدقهلية ودمياط ودير القديسة دميانة ودير مارجرجس الدمسيسي وكان بعدما أنهي دراسته للماچستير وفي إنتظار إقرار مجلسي الكلية والجامعة لها.

 

رحلة إلى دير دميانة

بعد ذلك طلب المتنيح الأستاذ ألفونس نقولا مع القمص بيشوي عبد المسيح ولجنة الكنيسة منه أن يحضر إلي دمياط لنهضة روحية لإلقاء عظات... وبعد إستشارة أب إعترافه نصحه بالذهاب إلي النهضة الروحية مع الإحتراس من قبول السيامة الكهنوتية ولما حضر إلي دمياط وألقي العظة في النهضة وجد أن لجنة الكنيسة مع الكاهن قد أعدّوا لرحلة في الصباح التالي إلي دير القديسة دميانة، فحاول أن يتخلّص منهم، لولا أن عمه الأستاذ ألفونس أظهر غضبه الشديد، مما جعله يُحرج ويضطر للمضي معهم.

ويضيف لنا نيافة الأنبا بيشوي ما حدث بالضبط عندما وصل إلي الدير... فقال: عندما وصلنا إلي دير القديسة دميانة، تركت الجميع وإنسحبت وأسرعت بالدخول إلي قبر القديسة دميانة... وهناك صليت وقلت لها... ساعديني يا قديسة لكي أصل إلي الرهبنة، لأن المعطلات بدأت تعمل..!!

 

مقابلة نيافة الأنبا تيموثاوس

... وبعد إلحاح من الكاهن... ومن الأستاذ ألفونس دخلنا لمقابلة الأنبا تيموثاوس مطران الإيبارشية.

وكان المهندس مكرم محترساً جداً في المقابلة، وخاف أن يضع المطران يده عليه ويرسمه كاهناً، علي غير رغبته، فكانت المقابلة حذرة جداً.

ونترك المجال لنيافة الأنبا بيشوي لكي يصف لنا دقائق المقابلة التي كنا حاضرين فيها بكاملها... فال نيافته: «لما تقابلت مع نيافة الأنبا تيموثاوس وبعد أن تسلّم من الحاضرين تزكيتي للكهنوت في دمياط، عرض علىّ السيامة في الكهنوت فإعتذرت له بأني غير مستحق لهذه الرتبة الجليلة والمسئولية الكبيرة وبعد محاولات كثيرة قال لي : إنت ناوي تترهبن؟!

فقلت له: بصلوات نيافتك جايز...

فقال لي : تعالي أصلي لك

فقلت: لاداعى... لأني غير مطمئن إلي نوع الصلاة التي ستصليها لئلا تكون من نوع الرسامات الكهنوتية!!

فتكلمت مع أبونا بيشوي عبد المسيح الذي كان حاضراً معنا فقال لى: لاتخف أنت لم تتزوج بعد، ولايمكن أن تتم سيامتك كاهناً إلا بعد الزواج... حينئذ ركعت أمام المطران وصلي لى... وقمت بعدها مستريحاً، لأنه قال لي «أنت ناوي تترهبن».

ثم رجعت إلي دمياط بعدما فشلت المساعي لسيامتي كاهناً.

 

فى الطريق إلى الدير (للرهبنة)

دراسة الدكتوراة

رجع المهندس مكرم إلي الأسكندرية، وذهب إلي مقر عمله بكلية الهندسة، وأثناء إلقائه محاضرة لطلبة الهندسة... دخل موظف يطلب منه التوقيع علي ورقة تفيد بأنه توجد بعثات للخارج لطلبة الدكتوراة، وهو أحد المرشحين لها... فوقع عليها بالعلم!!! ولكنه كان ينوي الخروج إلي البرية...

الحادثة التى عجلت بذهابه للدير

بعد أن وافق مجلس الجامعة يوم 28 مايو 1968 علي حصول المهندس مكرم علي درجة الماچستير في الهندسة الميكانيكية وبينما هو مستعد للسفر إلي الدير للرهبنة بعد بضعة أيام، مضي كاهن دمياط إلي والدته في بورسعيد يطلب منها مساعدته في التأثير عليه ليقبل الكهنوت في دمياط... وفوجئ برفضها الشديد لمجرد الفكرة وغضبت وقالت أن ابنها سيكمل دراسته في الجامعة ويصير أستاذاً بها. ولسبب رد الفعل الذي أبدته والدته، إضطر الكاهن إلي الإنسحاب والإعتذار. ولما رجع إلي دمياط إتصل علي الفور تليفونياً بالمهندس مكرم في بيت عمه بالأسكندرية يخبره بما حدث، ويعلمه أن والدته غضبت للموضوع وقررت الذهاب إلي الأسكندرية خلال أيام لمقابلته...

وطلب إليه أن يحاول أن يريحها وألا يتضايق لما حدث وكان المهندس مكرم يزور عمه الدكتور يوسف نقولا الأستاذ بجامعة الأسكندرية بقصد التوديع، وعلي أثر هذه المكالمة التليفونية قرر المهندس مكرم الذها إلي الدير فوراً، قبل أن تصل والدته إلي الشقة التي كان يقطن فيها الأسكندرية ويصبح من العسير أن يأخذ كتبه الروحية ويسافر إلي البرية...

وكانت هناك متعلقات، كلّف أحد أصدقاؤه بإنجازها، ومتابعة هذه الأمور. وبعدما سلّم عهدته بالكلية سافر إلي الدير، وكان في يوم عيد الصعود، 30 مايو 1968م.

 

مقابلة مع نيافة الأنبا ثيئوفيلس

قال المهندس مكرم: كنت قد نذرت نذراً للأنبا بيشوي عند قبولي للرهبنة، فإشتريت شمعاً وبخوراً وأخذته معى، ثم مررت علي دير الأنبا بيشوي لأوفي النذر، وبعدها مضيت إلي دير السريان فوجدت نيافة الأنبا ثيئوفيلس جالساً بالحديقة العلوية للدير، فجلست بجواره علي الأرض...

فقال لي: ما هو سبب حضورك في هذا الوقت بالذات أليس لديك مراقبة إمتحانات؟!

فقلت له: أنا إعتذرت عنها، ففهم إني قد حضرت للرهبنة...

فقال لي: إذهب قابل الأنبا شنودة... وكان في بيت الخلوة وقد حضر من المغارة لتسليم بعض فصول من كتابه (القديس مرقس الرسول).

فجلست معه، وقصيت عليه كل ما حدث...

وقلت له: إن كلام نيافتك لي قد تحقق بالضبط... ومن دعوة للتكريس، إلي دعوة للكهنوت، إلي دعوة للزواج، إلي دعوة لدراسة الدكتوراة  بالخارج، إلي ضغوط من الأسرة... وأشكر الرب بصلواتك تخطيت كل هذه العقبات، وقررت أن أعيش حياة الرهبنة، وها قد حضرت إلي الدير لهذا الغرض.

 

شهادة الأنبا ثيئوفيلس

حضرت والدة المهندس مكرم إلي الدير وتقابلت مع نيافة الأنبا ثيئوفيلس رئيس الدير وسألته عن ضرورة بقاء الراهب مدة لاتقل عن ثلاث سنوات يختبر فيها قبل سيامته راهباً فقال لها: أنا لدي هنا بالدير مالايقل عن مائة راهب، لكن إبنك هذا ناضج أكثر من جميعهم. ولم يعلم المهندس مكرم بما قاله الأنبا ثيئوفيلس عنه إلا منذ فترة وجيزة.

 

ذهاب لجنة من دمياط إلى الدير

إستقل عمه الأستاذ ألفونس مع كاهن دمياط القمص بيشوي عبد المسيح وبعض الإخوة، من أراخنة الكنيسة عربة وذهبوا إلي دير السريان، وهناك تقابلوا مع نيافة الأنبا ثيئوفيلس..

وقالوا له: نحن حزنا جداً في دمياط، لأننا كنا ننتظر أن يرسم المهندس مكرم كاهناً علي كنيسة دمياط ليساعد عمه في الخدمة.

فأجابنا وهو ينظر إلي الكاهن وقال: «إنت كنت عايزه قسيس معاك، ماتزعلش بكرة يرجع لك مطران فوقك».

ولم يعلم المهندس مكرم بهذا الحديث إلا بعد سيامته أسقفاً. وهكذا تمت بالفعل رهبنته بإسم الراهب توما السرياني في 16 فبراير 1969م بدير العذراء الشهير بالسريان.

رسامته قساً بالدير

وقد تمت سيامته قساً بعد ذلك بإسم القس توما، وكان ذلك في أحد التناصير سنة 1970.م بعدما كان رافضاً فكرة نيله رتبة كهنوتية بالدير... لكنه فوجئ يوماً بمجئ نيافة الأنبا ثيئوفيلس بالكنيسة وضغطه عليه لكي يقبل هذه الرسامة... لدرجة أنه جري وراءه في الكنيسة...

ولما أراد الهروب من كنيسة العذراء المغارة... فوجئ أن باب الخورس مقفول، وفي الوقت نفسه وجد أبونا فلتاؤس واقفاً في وسط البابا القبلي بحيث لايمكن أن يدخل منه أحد أو يخرج. 

 فاضطر لقبول الرسامة التي بدأها المتنيح الأنبا ثيئوفيلس بالرشومات عند الباب الغربي للكنيسة... ثم رُقي إلي درجة القمصية في 17 أغسطس 1972م وذلك عندما قبل بعد أحداث كثيرة أن يصير أسقفاً لدمياط وكفر الشيخ والبراري.

 

                                                                                 

 
       
     
       

This Page is built by ILD Site Builder .